أخبار العالم

الاتجاهات الإيجابية

أخبار النجاح

التخبط


الزراعة

قطاع العمل

الثقافة

التربية

الحكومة

الصحة

العلم

السلام العالمي

أخبار لكل بلد


مهاريشي في العالم اليوم

الإتقان في العمل

مؤشر المجتمع المثالي

العالم المنيع

عمل من أجل الإنجاز

إعلانات

بث مباشر

قناة مهاريشي

مؤتمرات مهاريشي الصحفية ومناسبات عالمية كبيرة


أجمل الهدايا

برامج مهاريشي

دورات مهاريشي

منشورات مهاريشي

الذكاء المتألق

روابط حول العالم

التأمل التجاوزي

الأبحاث

مناسبات مختارة

روزنامة الاحتفالات

مركز الموسيقى


 
 
 

 

نحات الخيال الجبرانيّ

بيروت - مهى سلطان
٢٠ أبريل/ نيسان ٢٠١٨

ثلاثون عاماً (1988- 2018) من الإنتاج الفني والانشغال بتوقيع الحجر المطبوع بالأحلام والولادات النورانية، تفتح مجالات الرؤية لإكتشاف العالم الشعري الذي تضج به مسيرة النحات اللبناني رودي رحمة الذي مشى في درب الفن يافعاً بموهبة استثنائية في اكتساب المهارات التي عرفها تاريخ الفن مع كبار النحاتين، من خلال الإمساك بتعابير الوجوه ونقل معالم الواقع إلى الحياة. والمعرض الاستعادي الذي يقيمه لإنتاجه في حرم جامعة البلمند (قاعة الزاخم)، يحيل إلى براعته في الرخام والبرونز وأسلوبه الشعري في الدمج بين الإنساني والروحاني- الانفعاليّ، في رحلة الارتقاء إلى عالم الرؤى الجبرانية وهو أحد ورثتها ومتحدر من سلالاتها. لكأننا في متحف حيّ إزاء مشهدية معصرنة للمناخات الفلسفية الجبرانية بكل ما تحفل به من شاعرية وحب واسقاطات رمزية للأعماق الإنسانية، مما يؤكد امتزاج روحين في كأس واحدة.

متنوع الملكات الفنية فهو رسام وشاعر ونحات، وهو ابن بشري التي انجبت جبران خليل جبران، وجارُ غابة الأرز التي استمد منها لبنان رمزه عبر التاريخ، لطالما حاور إزميله خشب الأرز واستوحى شلوحه وعنفوانه وصلابته، فجعله قامات متلاحمة صامدة في وجه الرياح وباحثة عن الحرية، وهو على علاقة وثيقة بدرب القداسة الذي طبع وادي قنوبين، بروعة صخوره وأديرته وكنائسه وتجليات طبيعته، التي استمد من تلافيف غيومها وشلالاتها وأوديتها العميقة وتكاوين صخورها ينابيع ألهاماته.

«إن التمثال النصفيّ الجميل ليس نسخة طبق الأصل من النموذج بل انعكاس لحياته الداخلية» يقول اوغست رودان، والتماثيل النصفية التي يحفل بها محترف رودي رحمة المكرسة لأهل الثقافة والفكر والأدب والفن، تأتي بمضارعة الشبه من سبيل الصورة التي تتخطى بأضعاف حجمها الطبيعي، مع استنطاق للمشاعر والسمات الانسانية والخصائص التي يتحلى بها اولئك الكبار (جبران خليل جبران، سعيد عقل، ريمون جباره، شارل مالك، وهيب كيروز... وسواهم)، إذ إن شيئاً من البطولة والعملقة والخيالية تراود الفنان وتنعكس في حركة إزميله على الصخر، بين نقش وصقل، حتى تخرج الملامح من قلب الحجر إلى شمس النهار.

«الغناء سر الخلود» والموسيقى والرقص مرادفان للحقبة التي اكتشف فيها جبران تلك العلاقة الوثيقة بين تموضعات كائنات رودان على بوابة الجحيم، وأداء أسطورة الرقص إيزادورا دانكن. هكذا يتجلى الرقص كموضوع مُلهم بل كايقاع يجعل يد النحات تتلمس العالم بعيون مفتوحة على انسياب الفضاء من حول الجسد واكتشاف أطواره في التحليق. والفنان يخلق عالمه وفق معادلة صعبة قائمة ليس على ثقل الكتلة وثباتها بل على حركة تأرجحها في الفضاء. لذا يبدو موضوع الرقص هو من اهم الموضوعات التي تحاكي عالم الجسد يقطفه في مهب الحركة بين طرفي الانسجام المشدود على عصب مثل خيط الوجود، او بين قطبين مثل نجمة في السماء وسحابة خارجة عن مدارها، وكثيراً ما يتراءى الجسد المرفوع على سهم ينبري على صخرة الوجود معلقاُ بين السماء والأرض، كأننا إزاء لحظة مخطوفة من زمن الميتولوجيات والبطولات الخارقة الآتية من امبرطوريات التاريخ واستيطيقا الجمال، حيث للجسد مقام الحركة وصورتها. فالرجل رمز لكائن وجودي معذّب وثائر والمرأة كالأم الحزينة بابتسامة باردة وغامضة وثمة أشباح كئيبة تمد سواعدها إلى ملاك الرحمة الهابط من السماء إلى سطح العالم، طلباً للخلاص في يوم الدينونة حين تتساقط الأجساد كتيجان الزهور. السكينة والسلام تغمران الوجه الاستثنائي بين الوجوه لأنه وجه المخلّص الذي يضج بالسمو والترفع عن الألم. ولئن كان المنحى الديني الروحاني الملتحم عميقاً بعالم جبران، هو الأقوى والأكثر جاذبية، فذلك بسبب الدينامية التي اخرجت الجمال الكلاسيكي المتين عن تقليده وأدخله في صراع إستيتيكيّ بين الكتلة والحركة، كما بين الفارغ والملآن، والظل والنور. «وكل نور يصبح ظلاً لنور أكبر» من كتاب «النبي» لجبران.

رودي رحمة يكشف مكامن الجمال في تجسيد الموضوعات التي تدور في فلك الدراما اللاهوتية، فالجمال بالمعنى الكلاسيكي للرقة والعذوبة والعذاب في آن واحد، يتجلى في عرض بصري بأسلوب يسعى إلى التشخيص برقة وشفافية وانفعالية تحرك أقصى المشاعر الداخلية وفق النهج «الباروكيّ» لكنها تذهب بالحركة بعيداً، إلى العنف في خطوطها المسننة كصدمة الوقوف على الحافة. كأن النحات يتلاعب بالفراغ ويلهو معه ويذهب به إلى حيث الإثارة البصرية بمعناها الدرامي- الميتافيزيقيّ وأحياناً نحو العرض البهلواني في التسلق الجماعي التصاعديّ للأجساد التي تنمو فيها الحركة وتكبر من القاعدة وهي ترتقي سلالم معلقة في هياكل الفضاء السوريالي. وتصل هذه الحركية إلى أقصى الانبهار حين تنفذ إلى التوظيف الجمالي لموتيف «المسمار» العملاق المغروز في الجسد المعلّق الذي يكاد يتهاوى.

ثمة نوازع خفية وظاهرة تربط بين منحوتات رودي رحمة وتماثيل اوغست رودان، من بينها الرموز الدلالية لليد التي تهب الحياة للبشر، والتكوين الكتلوي الذي يعتمد على خشونة المادة وشوائب ملمسها إزاء الوجوه التي تخرج من قلب الحجر مع ابتسامة على الثغر تعيدنا إلى جميلات يوسف الحويّك النائمات في النور. وبين العين الكونية الآتية من وحي جبران في رسوم النبي، والنزعة الفينيقية لرحلة الحرف الى قوافي سعيد عقل، وبين مثالية الجمال الكلاسيكي وحرية التخييل السوريالي، فإن «حبر المسافة» العنوان الشعري الذي أعطاه رودي رحمة لمعرضه يأتي ثماره من العطاء الذي ما زال يراهن على الواقع في قوة الإلهام الشعري حيث القوة تترنم بأناشيد المحبة.

جميع الحقوق محفوظة © 2018 الأخبار العالمية الجيدة ® 

كل يوم توثق الأخبار العالمية الجيدة ارتفاع لنوعية أفضل من الحياة تشرق في العالم وتسلط الضوء على الحاجة لإدخال البرامج القائمة على القانون الطبيعي – القائمة على المعرفة الكلية - لتقديم دعم الطبيعة لكل فرد، ولرفع نوعية الحياة لكل مجتمع، وخلق حالة دائمة من السلام في العالم.